يعتبر كتاب الكواكبي  “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” من أكثر الكتب تأثيراً في وقته، وإن كان الكاتب القدير نفسه قد كتبه باسم وهميّ حينها! حيث كان يسمّي نفسه الرحالة “ك”.

يصف الكاتب الاستبداد والمجتمع ورحلة الشعوب من الرقي إلى الانحطاط الفكري والعقلي والتخليّ عما كرمّها الله به وخصّها به من سائر الكائنات ، ألا وهو العقل المفكّر والفؤاد المتدبر. حيث يرجع أصل الاستبداد في النهاية إلى فقدان هاتين الميزتين الهامتين في حياة الأمم وتقدمها.

260px-طبائع_الاستبداد_ومصارع_الاستعباد

في هذه التدوينة سأستعرض معكم أكثر الأقوال التي أعجبتني، وهي كثيرة، ولاتكاد تخلو صفحة من شيء يُقتبس، لكن قللتها لتلخيص الأفكار الأساسية والهامة فيه.
لنبدأ من الصفحة الرابعة والخمسين، يقول فيها الكواكبي :” وقد عدّد الفقهاء من لاتقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم، فذكروا حتى من يأكل ماشياً في الأسواق، ولكن شيطان الاستبداد أنساهم أن يفسّقوا الأمراء الظالمين فيردّوا شهادتهم”” ثم يكمل في حديثه عن الآية “وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ” وتحويل الفقهاء هذه الآية من فرض عين إلى فرض كفاية، بقصد سيطرة أفراد المسلمين بعضهم على بعض بدل إقامة فئة تسيطر على حكامهم.
اللهم إن المستبدين وشركاءهم قد جعلوا دينك غير الدين الذي أنزلت، فلا حول ولاقوة إلا بك!
ويتابع في الصفحة التالية “إن الله عز وجلّ شأنه قد ساوى بين عباده مؤمنين وكافرين في المكرمة بقوله “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ثم جعل الأفضلية في الكرامة للمتقين فقط. والتقى ليست كثرة العبادة كما صار ذلك حقيقة عرفية غرسها علماء الاستبداد القائلين في تفسير “عند الله” أي في الآخرة دون الدنيا، بل التقوى لغة هي الاتقاء أي الابتعاد عن رذائل الأعمال احترازاً من عقوبة الله.

ثم في بحث الاستبداد والعلم، يقول الكواكبي ” بين الاستبداد والعلم حرب دائمة وطراد مستمر، يسعى العلماء في تنوير العقول ويجتهد المستبد في إطفاء نورها والطرفان يتجاذبان العوام، ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنهم هم الذين متى علموا قالوا ومتى قالوا فعلوا.
“إن خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفه من خوفهم بأسه، لأن خوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط.”

إن أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفو النفس وعزها والشرف وعظمته والحقوق وكيف تحفظ والظلم وكيف يرفع والإنسانية وماهي وظائفها، والرحمة وماهي لذاتها.
أم الشرقيون فافئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأن العلم نار وأجسامهم من بارود. يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة “لا إله إلا الله” ولماذا كانت أفضل الذكر، ومعنى ذلك أنه لا يعبد حقاً سوى الصانع الأعظم، لا يستحق الخضوع شيء غير الله.

وفي فصل الاستبداد والمجد يقول الكواكبي “المستبد في لحظة جلوسه على عرشه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً ثم يرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كل عاجز وأنه مانال ما نال إلا بواسطة من حوله من الأعوان فيرفه نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له : مالعرش ومالتاج ومالصولجان؟ ماهذه إلا أوهام في أوهام.

وزير المستبد هو وزير المستبد لا وزير الأمة كما في الحكومات الدستورية:

وفي فصل الاستبداد والأخلاق يقول

الغربي : مادي الحياة ، قوي النفس ، شديد المعاملة ، حريص على الأستئثار ، حريص على الأنتقام ؛ كأنه لم يبق عنده شيء من المباديء العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق . فالجرماني مثلا : جاف الطبع ، يرى أن العضو الضعيف من البشر يستحق الموت ، ويرى كل فضيلة في القوة ، وكل القوة في المال ؛ فهو يحب العلم ، ولكن لأجل المال ، ويحب المجد ولكن لأجل المال . وهذا اللاتيني مطبوع على العجب والطيش ، يرى العقل في الأطلاق ، والحياة في خلع الحياء ، والشرف في الترف ، والكياسة في الكسب ، والعز في الغلبة ، واللذة في المائدة والفراش.

أما أهل الشرق فهم أدبيون ، ويغلب عليهم ضعف القلب وسلطان الحب ، والأصغاء للوجدان ، والميل للرحمة ولو في غير موقعها ، واللطف ولو مع الخصم . ويرون العز في الفتوة والمروءة ، والغنى في القناعة والفضيلة ، والراحة في الأنس والسكينة ، واللذة في الكرم والتحبب ؛ وهم يغضبون ولكن للدين فقط ، ويغارون ولكن على العرض فقط .”

الغربيون يستحلفون اميرهم على الصداقة فى خدمته لهم وإلتزام القانون. والسلطان الشرقى يستحلف الرعية على الإنقياد والطاعة . الغربيون يمنون على ملوكهم بما يرزقون من فضلاتهم, والأمراء الشرقيون يتكرمون على من شاءوا بإجراء أموالهم عليهم صدقات. الغربى يعتبر نفسه ملكا لجزء مشاع من وطنه والشرقى يعتبر نفسه وأولاده وما فى يده ملكا لأميره. الغربى له على أميره حقوق وليس عليه حقوق والشرقى عليه لأميره حقوق وليس له حقوق. الغربيون يضعون قانون لأميرهم يسرى عليه والشرقيون يسيرون على قانون مسيرة أمرائهم. الغربيون قضائهم وقدرهم من الله والشرقيون قضائهم وقدرهم مايصدر من بين شفتى المستعبدين ! الشرقى سريع التصديق والغربى لاينفى ولايثبت حتى يرى ويلمس. الشرقى أكثر مايغار على الفروج كأن شرفه كله مستودع فيها والغربى أكثر مايغار على حريته واستقلاله. الشرقى حريص على الدين والرياء فيه والعربى حريص على الثورة والعزة والمزيد فيهما. والخلاصة ان الشرقى إبن الماضى والخيال والغربى ابن المستقبل والجد”

وفي فصل الاستبداد والتربية يقول
“على أن الإنسان أقرب للشر منه للخير، وكفى أن الله ما ذكر الإنسان في القرآن إلا وقرن اسمه بوصف قبيح كظلوم وغرور وكفار وجهول وأثيم.”

أما أسير الاستبداد فيعيش خاملا خامدا ضائع القصد , حائرا لا يدرى كيف يميت أوقاته ويدرج أيامه وأعوامه  كأنه حريص على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب

يعيش الأسير فى حين يكون نسمة فى ضيق وضغط , يهرول  ما بين عتبة هم ووادى غم  يودع سقما ويستقبل سقما  إلى أن يفوز بنعمة الموت مضيعا دنياه مع أخرته , فيموت غير أسف ولا مأسوف عليه”

وفي الفصل الأخير يكتب :

إن الأمر مقدور ولعله ميسور، ورأس الحكمة فيه كسر قيود الاستبداد، وأن يكتب الناشئون على جباهم عشر كلمات هي:

1. ديني ما أظهر ولا أخفي.
2. أكون حيث يكون الحق ولا أبالي.
3. أنا حر وسأموت حراً.
4. أنا مستقل لا أتكل على غير نفسي وعقلي.
5. أنا إنسان الجد والاستقبال لا إنسان الماضي والحكايات.
6. نفسي ومنفعتي قبل كل شيء.
7. الحياة كلها تعب لذيذ.
8. الوقت غال عزيز.
9. الشرف في العلم فقط.
10. أخاف الله لا سواه.

ربما قد اطلت عليكم هذه المرة، لكني لم أقتبس سوى قبس صغير من نور هذا الكتاب الصغير حجماً والعظيم معنىّ وإتقاناً.
أنصح بقرائه والتفكر به.