غريبةٌ هي الحياة، دائمًا هناك الجديد، دائمًا يحدث غير المُتوقّع، رغم أن كلّ ما يحدث وسيحدث يقع ضمن مجموعة احتمالات لا نهائيّة، إلّا أنّ الحياة تأبى إلا أن تفاجئك بغرابة ما يحدث.
لم أكن أظنّ يومًا أنني سأغادر منزلي العزيز قبل تخرّجي و “زواجي” أو سفري للاختصاص خارجًا، لم أكن أظنّ أني سأغادر وطني أيضًا.. في تلك اللحظة تحديدًا بدأت الحياة تأخذ المنعطف الذي لم أتوقّعه أبدًا.
لم أتوقع يومًا أن أصعد أعلى برجٍ في العالم وأشاهد العالم يلتمع ويضيء في الأسفل وأكون “بين .الأرض والسماء” على ارتفاع شاهق، وكل شيء يبدو متناهي الصفر
لم أظنّ أبدًا أن أصبح من أولئك الذين كنت أهزأ منهم، أولئك الذين يشربون نوعًا محددًا من القهوة ويخبرونك عن طعمها السحري الفارق عن أي قهوة أخرى، لكن لم أختر Starbucks بل كان خياري غريبًا نوعًا ما، المقابل الكندي – الأرخص سعرًا- Tim Hortons، والذي بحقّ أصبحت مدمنًا عليها لمدة طويلة، هل هي موجودة في مصر؟ أخبرني إن كنت تعرف عزيزي القارئ!
A cup of Tim Hortons Inc. coffee and doughnuts are arranged for a photograph in Toronto, Ontario, Canada, on Wednesday, Aug. 3, 2011. Tim Hortons Inc. is a chain of franchise fast food restaurants that serve coffee drinks, tea, soups, sandwiches, donuts, bagels, and pastries. Photographer: Brent Lewin/Bloomberg via Getty Images

لم أكن أتوقع أن أدوّن وها أنا اليوم أدوّن بشكل شبه غير منتظم، وأن يجعلني ذلك أدخل إلى عالم التدوين التقنيّ مع الرائع “عمر بني المرجة” حيث أعطاني الفرصة للكتابة في موقعه “كيف تك” الذي تحول الآن بفضل عمل عمر الدؤوب إلى “كيف ويكي“، ومن ثمّ عملت مع الكثير من الصفحات العلميّة والمواقع العربية بسبب عمر، فكتبت مع ناسا بالعربي و الباحثون السوريون وأراجيك التي سمحت لمقالاتي الانتشار لعدد هائل من القرّاء.
972174_617318038298559_1154391394_n
لم أكن أتوّقع أن أتطوّع في فريق باتصال مباشر مع جوجل! سفراء جوجل في طنطا -حيث أدرس-  وألتقي بأشخاص عملوا مع جوجل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل أساعد في تنظيم حدث “صلّحها” الذي حضر فيه العديد من الوجوه المشهورة، منهم “عفيفي” والمخرج “عمرو سلامة” وغيرهم.
1622419_313759158788471_8514190616484555875_o
لم أتوّقع يومًا ما أنني سألتقي توني بوزان – الرجل الذي طوّر الخرائط العقليّة- وأتحدّث معه عن الذاكرة والدماغ، أو أن ألتقي كاتب عزازيل يوسف زيدان، والحديث عن سوريا ومصر و… أو أن أصافح اليد التي تداعب أوتار العود لترافق حنجرته المبدعة في غناء “أحنّ إلى خبز أمي..” ليقول لي “الحبّ والسلام لكلّ أهل سوريا..” وينظر نظرةً ملؤها الحزن والألم. أو أن أستمع بشكل مباشر لديمة الخطيب، الصحفية المبدعة!
لم أكن أتوّقع أن سأسافر وحدي إلى ليبيا بعد القذافي، لأمشي فيها وحيدًا ضائعًا، لأنام في العراء قبل أن أجد أصدقاء فقدتهم منذ سبع سنوات، ثم أقابل الرجل الذي كان يدربني السباحة في ليبيا منذ ستة عشر عامًا. لم أتوّقع أبدًا أن أحضر حفل زفاف ابن صديق والدي، ذلك الفتى الذي كان في الخامسة من العمر عندما وُلدت أنا، وهاهو الآن طبيب متخرج وأنا أحضر حفله بل وأحمل مع أخوته الهدايا للعروس، الطبيبة أيضًا.
252225_499923243362574_1886209567_n
لم أكن أتوقع أن أدخل مصر وأن أصبح في بلاد الأهرامات، وأتعرف إلى أناس أصبح جزءًا من حياتي اليوميّة، ذلك الشعب الطيّب العشرة، صاحب النكتة، المتفائل رغم كلّ شيء، لم أتوقع أن ألتقي شخصًا عرفته من TED ليكون ساكنًا في طنطا نفسها! ويكون صديقًا لكاتب قرأت له كتابًا لن أنساه ولن أنسى الكآبة التي تعبّر عنّا جميعًا فيه!

لم أتوقع أن موقع تواصلٍ اجتماعيٍّ مثل تويتر قد يعرفني بأشخاص رائعين، لألتقي بهم على أرض الواقع، مؤيد، رسلان، ماريّة، شذى، الوكيل!
لم أتوّقع أن أتعرف إلى أشخاص وأعيش معهم ليصبحوا كالأخوة، كنان، أحمد، طارق، عمرو، فارس، أنس وجهاد.
لم أظنّ يومًا أنّي سأغادر دون أوّدع الكثيرين من الأعزّاء على قلبي..لم أعرف أنّي لن أعود..لم أظنّ ذلك أبدًا..لم أظنّ أبدًا أنّي سأنظر إلى صورٍ وأستمع إلى مقاطع عزفوها قبل أن يذهبوا..فقط لأذكرهم..

كل ذلك علّمني أنّ على الإنسان أن يجتهد ويعمل يحاول أن يحقق “نفسه” أنت المنتج الوحيد الذي تستطيع التحكم به كاملًا، رغم كلّ العوائق وكلّ الظروف، لابدّ ان تصل إلى ما تطمح إليه، ولو زاد الوقت قليلًا أو كثيرًا، كلّ ذلك في النهاية يقود إلى أننّا لا نعلم شيئًا سو القليل، ورغم ذلك لا بدّ من بذل المستطاع للوصول لما تريد، لا تيأس أبدًا، فقط خذ فترات راحة لتستجمع قواك وتعود!
أنت تستطيع فعل كل شيء..فقط ثق بنفسك و قم بتقديم شيء جديد لهذا العالم، قم بتقديم نفسك!